حسن الأمين
73
مستدركات أعيان الشيعة
لا على الرهبة ، ثم يقول إن رأس السياسة إنجاز الوعد والوعيد ، ولو طبقنا القاعدة الثانية إلى نهايتها لتعارضت مع السابقة ، فان تطبيق الوعيد - حتى في حدود العدل - لا يخلق طاعة محبة ، وإنما يبعث الرهبة . فاما الفضائل من علم وعفة وحلم وسخاء وشجاعة فهي القواعد الخلقية المألوفة ، ولكن اتصال كل منها بالسائس قد يحدد معناها تحديدا ذا خصوصية متميزة . فكلنا يعرف أن السخاء هو بذل المال والجاه ، ولكن السخاء لدى السائس في نظر الوزير المغربي هو « أن لا يمطل حقا ولا يخيب آملا ، ولا يؤيس قاصدا » . ومن اللافت للنظر أن يفرد ابن المغربي السخاء لابن السبيل خاصة ، فهذه لفتة مستوحاة من التنقل والضرب في الأرض . كذلك هو مفهوم الشجاعة لديه فإنه يحمل معنى خاصا غير المعنى الذي يعرفه الناس من الشجاعة ، وذلك أن الشجاعة في السائس هي « أن يشعر قلبه أن لا يجوز أن يكون الجبان ضابطا لأمره ولا حارسا لرعيته . . . وأن يجعل وكده كله جمع الرجال والأسلحة والخيل والعدد » - وهذه كلها آلة الشجاعة وليست الشجاعة نفسها . إن قسمة السياسة إلى ثلاثة فروع : سياسة السلطان لنفسه ، وسياسة الخاصة ، وسياسة العامة ، لهي قسمة من باب التسهيل والإيجاز معا ، وإلا فان الحديث في السياسة متسع ، والفروع تزيد كثيرا على ثلاثة ، فمن ذلك مثلا سياسة الخاصة للعامة ، وسياسة السلطان للاثنتين ، من غير فصل بينهما حين تشترك المصالح وتتحد . كما أن توصل السلطان إلى تألف الخاصة بالإحسان إليهم وبسط آمالهم بالعفو ، وعدم الاستقصاء عليهم ، وتامينهم إسراعه إلى قبول كثير من ثقل الأصحاب ، أمور تصلح لهم ولغيرهم . وقد وضح أن الخاصة في مفهوم الوزير المغربي هم أصحاب الوظائف في الدولة كالكاتب والحاجب والجابي وقائد الجيش وصاحب الشرطة والحاكم والمحتسب والسفير ، وهذه مؤسسات الدولة ، ولا بد أن يبحث في كل مؤسسة ، فاما الاكتفاء بالقول إن الحاجب يجب أن يكون طلق الوجه ، وصاحب الشرطة يجب أن يكون مهيب المنظر عبوسا لهو تبسيط شديد لما من حقه أن يبحث بالتفصيل . ولا يزال المغربي يرى أننا إذا جعلنا السلطان جانبا فالناس فئتان ، موظفون وغير موظفين ( أو خاصة وعامة ) ولكن ما ذا يحدث حين يتبادل هؤلاء أدوارهم فينتقل الخاصي ليعود من العامة ، وينتقل العامي ليصبح من فئة الخاصة ؟ والعامة أقسام أيضا بحسب مهنهم وأهميتها في العمران ، كما أنهم قسمان كبيران بالنسبة للسلطان ، فمنهم من يسمح لهم بالسعي إلى بابه ، ومنهم من لا يستحب لهم ذلك لأن فيه فسادا قد شرحه أردشير في عهده . ومن هنا يتبين تأثر الوزير المغربي ببعض آراء السياسة الفارسية ، وهو بشيء من الالتفات حول الموضوع يلمح إلى التثبيت الطبقي وعدم تمكين الفرد من الانتقال من طبقة إلى أخرى ، وذلك هو الأمر الذي جعله أبو الحسن العامري السمة الفارقة للمفهوم الفارسي بالمقارنة بالنظام الإسلامي الذي ينكر هذه الحتمية الجائرة ولا يعترف بها . وعلى مقتضى تفكير المغربي يستطيع السلطان أن يصنع خاصة جديدة بعد خاصة الموظفين ، من ذوي الأخطار والعلماء ، أما كيف تكون العلاقات بين الخاصة الجديدة والأخرى التقليدية فلم يعره الوزير اهتماما . وقد خلط الوزير المغربي عند الحديث عن سياسة العامة بين أمور لا تدخل في هذا الموضوع ، فبدلا من أن يتحدث عن الرشا في باب فساد الخاصة ، تحدث عنها وهو يعالج سياسة العامة . وبدلا من أن يفرد للسياسة الخارجية وللعلاقات بالدول والممالك الأخرى بابا مستقلا تحدث عن هذه الناحية تحت عنوان سياسة العامة . وكذلك فعل في حديثه عن ضبط المدن والطرق والمياه والسيطرة على الأجانب الداخلين إلى مملكته ، وضبط الأخبار عما يجري في الداخل وما يجري في الخارج . وبذلك يبين مدى الضيق في القسمة الثلاثية التي اعتمدها المغربي . ما تبقى من شعره قال : قال الطبيب وقد تأمل علتي هذا الفتى أودت به الصفراء فعجبت منه وقد أصاب وما درى لفظا ومعنى والمراد خطاء ( 1 ) وقال : إذا ما الأمور اضطربن اعتلى سفيه تضام العلا باعتلائه كذا الماء إن حركته يد « 2 » طفا عكر راسب في إنائه وقال في الحاكم : ( أنت ) أعطيتني كتابا إلى رضوان حتى أجزت خير الجزاء وسقتني يداك من علل الكوثر كأسا شفت غليل ظمائي أتمنى لو راسلتك الأعادي ببليغ يوفي على البلغاء لترى موقفي هناك ، وسهل دون شاوي وواصل بن عطاء وقال : الليل ميدان الهوى والكأس مجموع الإرب يا رب ليل قد قصرنا طوله فيما نحب لما هززناه تلاقى طرفاه بالطرب يلعب في الخسران والطاعة ساعات اللعب تحكي ثرياه لمن يرنو إليها من كثب خريطة من أبيض الديباج ما فيها عذب والدبران خلفها كفتح پرگار ذهب وهقعة الجو كفسطاط عمود منتصب ومنكب كوجه مبثور للحظ المرتقب وهنعة كأنها قوس لنداف عطب « 3 » ثم الذراع شمعة تشعل رأسا وذنب وزبرة كأنها رخان في خشت ذرب ونثرة كوسط مقلاع كبير منتخب والطرف طرف أسد في عينه كحل الغضب وجبهة بادية كمنبر لمختطب وصرفة تخالها في الجو مسمارا ضرب وتحسب العواء في آفاقها لا ما كتب
--> ( 1 ) معجم : قولا وظاهر ما أراد خطاء ، الأفضليات : لفظا ومعنى ما أراد .